الشوكاني

274

فتح القدير

سورة ن ( 40 - 52 ) لما فرغ سبحانه من ذكر حال الكفار ، وتشبيه ابتلائهم بابتلاء أصحاب الجنة المذكورة ذكر حال المتقين وما أعده لهم من الخير ، فقال ( إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم ) أي المتقين ما يوجب سخطه من الكفر والمعاصي عنده عز وجل في الدار الآخرة جنات النعيم الخالص الذي لا يشوبه كدر ولا ينغصه خوف زوال ( أفنجعل المسلمين كالمجرمين ) الاستفهام للإنكار ، وكان صناديد كفار قريش يرون وفور حظهم في الدنيا وقلة حظوظ المسلمين فيها ، فلما سمعوا بذكر الآخرة ، وما يعطى الله المسلمين فيها قالوا : إن صح ما يزعمه محمد لم يكن حالنا وحالهم إلا مثل ما هي في الدنيا ، فقال الله مكذبا لهم رادا عليهم : أفنجعل المسلمين الآية ، والفاء للعطف على مقدر كنظائره . ثم وبخهم الله ، فقال ( ما لكم كيف تحكمون ) هذا الحكم الأعوج كأن أمر الجزاء مفوض إليكم تحكمون فيه بما شئتم ( أم لكم كتاب فيه تدرسون ) أي تقرؤون فيه فتجدون المطيع كالعاصي ، ومثل هذا قوله تعالى - أم لكم سلطان مبين فأتوا بكتابكم - ثم قال سبحانه ( إن لكم فيه لما تخيرون ) قرأ الجمهور بكسر إن على أنها معمولة لتدرسون : أي تدرسون في الكتاب ( إن لكم فيه لما تخيرون ) فلما دخلت اللام كسرت الهمزة كقوله : علمت إنك لعاقل بالكسر ، أو على الحكاية للمدروس ، كما في قوله - وتركنا عليه في الآخرين سلام على نوح في العالمين - وقيل قد تم الكلام عند قوله ( تدرسون ) ثم ابتدأ فقال ( إن لكم فيه لما تخيرون ) أي ليس لكم ذلك ، وقرأ طلحة بن مصرف والضحاك " أن لكم " بفتح الهمزة على أن العامل فيه تدرسون مع زيادة لام التأكيد ومعنى ( تخيرون ) تختارون وتشهون . ثم زاد سبحانه في التوبيخ فقال ( أم لكم أيمان علينا بالغة ) أي عهود مؤكدة موثقة متناهية ، والمعنى أم لكم أيمان على الله استوثقتم بها في أن يدخلكم الجنة ، وقوله ( إلى يوم القيامة ) متعلق بالمقدر في لكم أي ثابتة لكم إلى يوم القيامة لا نخرج عن عهدتها حتى يحكمكم يومئذ ، وجواب القسم قوله ( إن لكم لما تحكمون ) لأن معنى ( أم لكم أيمان ) أي أم أقسمنا لكم . قال الرازي : والمعنى أم ضمنا لكم وأقسمنا لكم